اشور بانيبال

آشوربانيپال (بالأكادية: أشـُّور-بني-أپلي، "الإله آشور هو خالق وريثه")[1] (و. 685 – ح. 627 ق.م.) كان آخر ملك للإمبراطورية الآشورية القديمة. عرفه اليونانيون باسم ساردانابالوس (Sardanapalos)، وسمي في التوراة أوسنابير. حكم آشوربانيبال بين عامي 669 و 627 ق.م. وكان آخر الملوك الآشوريين العظماء. أصبحت آشور في عصره 668-627 ق.م قوة عالمية رئيسية. وتكونت إمبراطوريته من بابل وسوريا وفارس ومصر. وشهد عصره أيضًا بداية اضمحلال هذه الإمبراطورية. فقد طردت قواته من مصر عام 651 ق.م.، وأهلكته الحرب الأهلية في بلاد بابل رغم انتصاره عام 648 ق.م.

النشأة

كان آشوربانيبال الأبن الثالث للملك آسرحدون، ولم يكن هو الوارث للعرش ، وكان أخوة الأصغر وهو توأم واسمه شاماش شوموكن ينتظر في بادىء الأمر أن يخلف أباه ويظفر بالملك ولكن كان ثمة تنافس مرير بين الأخوين، وتلقى آشوربانيبال معونة كثير من الدول التى كان لها إذ ذاك نفوذ فعال فنصب آشوربانيبال ملكا بينما أصبح أخوه حاكما على بابل. وقد لاقى هذا التعيين معارضة شديدة من موظفي القصر ورجال الدين. وحتى لا تقع فتنة دعا آشور بانيبال أولياء الأمر في آشور لبحث الموضوع، فأقنعهم، وأخذ على أفراد الأسرة الحاكمة ورجال الدين وأعيان البلاد والحكام التابعين عهداً بتأييده وعدم الثورة عليه.

حكمه

كان آشوربانيپال منذ تعيينه ولياً للعهد يقاسم والده السلطة، ولما توفي والده في «أرخ شمنا» في عام 669 ق.م. وهو في طريقه إلى مصر، اعتلى آشوربانيپال العرش وأطاعه أخوه الأكبر، ووجد آشوربانيپال نفسه أمام وضع عسكري معقد، إلا أنه لم يتردد في إصدار الأمر إلى قائد جيش والده شاشا ـ نبو ـ شوبا بالاستمرار في السير إلى مصر لقمع تمرد حكامها، فتقدم هذا إلى الدلتا، وهزم ملكها طهرقا ومن معه من الأمراء المصريين، واستولى على ممفيس (منف/منفيس) ثم طارد طهرقا حتى الصعيد، فاستولى على طيبة. وبذلك خضعت مصر جميعها للحكم الآشوري. وليضمن الآشوريون سيطرتهم على مصر أعادوا الأمراء المبعدين إلى مناصبهم، فنصبوا الأمير نيخو (نخاو الأول) في مدينة سايس.

ولكن ما إن عادت الحملة إلى بلادها حتى تمرد المصريون من جديد، فهاجموا الحاميات الآشورية التي قضت على التمرد وقبضت على زعمائه واقتادتهم إلى نينوى. وبعد وفاة طهرقا تسلم الحكم ابن اخيه تانُتمون (تَنِتْأَ مان) الذي ثار على الآشوريين، واحتل منف، لكنه سرعان ما انهزم أمامهم، واسترد الآشوريون السيطرة على الدلتا حتى عام 655 ق.م. وحدث في أثناء انشغال الآشوريين بقمع الثورات في مصر أن احتل ملك المانيين أخشيري قلاعاً آشورية، وهدد حدود آشور الشرقية. فسارع آشوربانيپال إلى إرسال كبير ندمائه «نبوشر أوحُر» على رأس حملة لقمع التمرد، وانتهى ذلك التمرد بقيام ثورة على أخشيري أودت بحياته وخلفه ولي عهده على الحكم، واعترف بسلطة الآشوريين، ودفع الجزية لهم.

وكان آشوربانيپال منذ اعتلائه العرش مطمئناً إلى أن أورتاكي ملك عيلام] سوف يحافظ على علاقات جيدة معه كالسابق. ولتمتين عرى تلك الصداقة استغل آشوربانيپال فرصة مجاعة حلّت بعيلام، فزوّدها بالمؤن وأذِن للعيلاميين بدخول أملاكه. إلا أنه بعد وفاة أورتاكي عام 668 ق.م حكم في سوسة الملك تمبت خمبان ـ أنشوشينا الذي كان يحقد على الآشوريين ويرفض صداقتهم. وتحقيقاً لأهدافه، أيد عصيان قبائل الجمبولو الآرامية والعربية في «نُفّر» وغيرها من مدن الجنوب فتصدى الآشوريون للفتنة بعنف وقضوا عليها. وزحف آشور بانيبال بعد ذلك على رأس قواته إلى سوسة، ودخلها فاتحاً عام 663 ق.م.

أما في بابل التي كان شمش ـ شوم ـ أوكين حاكماً عليها، فقد ظن هو الآخر أن الفرصة مواتية للتمرد على أخيه، فشق عصا الطاعة في مايو يونيو من عام 652 ق.م. واتصل بأمراء مصر ورؤساء القبائل العربية والإمارات الآرامية وإمارات بلاد البحر (الخليج العربي) في جنوبي العراق. وكان أول من استجاب لدعوة شمش ـ شوم ـ أوكين بنو بعل شوماني من بلاد البحر والعيلاميون فجرد آشور بانيبال حملة تأديبية على بابل، وحاصر أخاه فيها، وفتحها عنوة، ودمرها، واحترق شمش ـ شوم ـ أوكين وسط لهب قصره. ثم زحف آشور نحو الجنوب للانتقام من القبائل الآرامية والعربية التي ساعدت الثورة فشتت شملها، ثم هاجم عيلام. وفتح عاصمتها سوسة، وخرّبها ونبش قبور ملوكها عام 639 ق.م.[2]

لم يبق في الساحة من أعداء آشوربانيپال إلا القبائل العربية في جنوبي بلاد الشام والبادية الشامية، وكانت تسبب المتاعب للحاميات الآشورية، فكلف آشور بانيبال حاكم دمشق الآشوري تأديبهم. فجهز لقمعهم كتائب أغارت على منازلهم في البوادي وأحرقتها، ونهبت قطعان إبلهم حتى لا يستخدموها مطايا، وهكذا دان المشرق القديم كله للحكم الآشوري. ومن يقرأ حوليات هذا الملك يَرَ أنه قضى نحو ثلاثين عاماً في الغزو، وإن قال عنه الإغريق إنه محب للهو والمجون. ويكتنف الغموض السنوات الأخيرة من حكمه حين مال إلى الراحة بعد أن أنهكت الحروب مملكته، وخلفه على العرش بعد وفاته ابنه آشور ـ إتيل ـ إيلاني ثم ابنه الثاني سين ـ شار ـ إشكون، فلم يتمكنا من الحفاظ على إرثهما، وتوالت المحن على مملكة آشور إلى أن قضى عليها تحالف البابليين والميديين والسكيثيين سنة 612ق.م.

الفنون والثقافة

كان آشوربانيپال ملكاً حكيماً ومحارباً محنكاً وعالماً مولعاً بالآداب، وقد قال: «لقد تعلمت الحكمة عن الحكيم (آدابا)، واقتبست أسرارها، وأسرار فن الكتابة على الرقم. وخصتني السماء بالحكمة، وناقشت في مجالس العلماء، وشاركت في معرفة الفأل من الكبد، وأستطيع تفسير جميع الألغاز. وقد قرأت أصعب الرقم السومرية والأكدية، وتمعنت في النقوش الحجرية قبل الطوفان».

وفاته

توفى آشوربانيبال في عام 626 ق.م ، وكان قد أقام السلام في فلسطين وفينيقيا وسوريا ، كما قهر عيلام وتغلب على العرب ، بيد أن الامبراطورية التى شيدها ما لبثت أن انهارت بعد وفاته بسنوات قليلة ، وذلك بأن نشب الخلاف بين أبنائه على اخلافة ، ومالبثت بابل ان ثارت وأصبحت مرة أخرى مملكة مستقرة في عام 625 ق.م وأخيرا أستولى البابليون وحلفائهم على مدينة نينوى وكان ذلك في سنة 612 ق.م.

ذكراه وآثاره

وحتى لو كان هذا القول تبجحاً، فإن ما يشفع له جمعه عشرات الألوف من الرقم في مكتبة قصره بنينوى. وقد عثر في قصره المحترق على أكثر من خمسة وعشرين ألف رقيم وكسرة رقيم سطرت عليها أخبار الحروب والرسائل والمعاهدات والوثائق الاقتصادية والإدارية التي تخص عصره، والأشعار والآداب والقصص والأساطير والروايات والحكمة وغيرها.

ومع أن آشور بانيبال لم يضاه أسلافه في حبه للبناء، فإنه كان محباً للفن، بنى قصراً في نينوى زينه بأحسن اللوحات المنقوشة التي صورت حروبه وملذاته وهواياته بدقة وإتقان ميزاها مما عُرف في العصور السابقة.

انظر أيضاً