نفط

نبذة تاريخية عن نفط العراق

الجزء الأول : من بدايات القرن الماضي الى ثورة 14 تموز عام 1958

كان العراق يرزح تحت حكم الدولة العثمانية منذ عدة قرون حتى الحرب العالمية الأولى وكان آنذاك مقسماً الى ثلاث ولايات:

1 - ولاية الموصل: تمتد اغلبها ضمن الدولة التركية الجنوبية الآن .

2 - ولاية بغداد: تمتد من جنوب مدينة الموصل الى شمال مدينة الناصريه اي أغلب أراضي العراق الوسطى والجنوبية.

3 - ولاية البصره:تمتد من مدينة البصره الى منطقة (الحسى و الحفوف و القطيف ) اي حقول النفط السعودية الآن والكويت جميعاً.

بدء البحث عن النفط في العراق منذ آواخر أيام الدولة العثمانية، ولذلك حصلوا على امتيازات عن تنقيب النفط في العراق ، سيما علامات وجود النفط اكيده حيث ان بعض منتجات النفط كانت تظهر بشكل طبيعي على سطح الارض في مناطق الناصريه والبصره و كركوك والقيارة (مثل القير) حيث استخدمه قدماء العراقيون في تبليط شوارع مدينة بابل التأريخية وشاهد على ذلك شارع الموكب في مدينة بابل الاثرية قد تم تبليطه بالقير منذ اكثر من ثلاثة الآف سنه ونيف وموجودة آثاره لحد الآن ، كما تم استخدام القير من قبل فلاحي العراق القدماء والحاليون في طلاء الزوارق في الأنهار والأهوار وبعض الادوات المنزلية.

وعرفه اليونانيون بعد أن وصلوا الى مناطقنا حيث وصفه احد الجغرافين قائلاً : ( هناك اسفلت في بابل ، ان سائل الاسفلت هذا الذي يسمى نفتاً، له طبيعة خاصة حيث يحترق اذا لامسته النار). هذه الظواهر سهلت على المستكشفين بالعثور على النفط في جنوب العراق ومنطقة كركوك والموصل ، وبما ان شركة (شل ومشاركيها) قد حصلوا على امتياز النفط في ايران كان بديهياً ان يكونوا في مقدمة الباحثين عن النفط في العراق .

كانت المانيا تتمتع بنفوذ سياسي قوي في الامبراطورية العثمانية وكانت مصالحها تحظى بمكانة خاصة تضاهي مكانة (كولبنكيان) في البلاط العثماني وقد تمكن الألمان عن طريق شركة سكة حديد برلين – بغداد المملوكة من البنك الألماني من الحصول على حق التنقيب وانتاج النفط في شريط من الأرض عرضه أربعون كليومتراً على امتداد الخط الحديدي الذي تقوم بانشائه اذ نص العقد على مبدأ اقتسام قيمة الانتاج مناصفة بين الحكومة والشركة ، وفي عام 1909 قامت حركة (تركيا الفتاة) فتكونت حكومة جديدة من أنصار بريطانيا التي حاولت مجدداً اقتناص الامتياز العراقي، بينما واصل الألمان الذين كانوا يتمتعون بشعبية كبيرة في تركيا نضالهم لاستعادة امتيازهم المفقود .

واذ أدت هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى الى حصر صراع القوة في العراق والبلاد المجاورة له بين بريطانيا وفرنسا، فأن ميزان القوة كان يميل على نحو حاسم لصالح بريطانيا قد مكنها (اثرهزيمة الدولة العثمانية حليفة المانيا) من تقسيم المنطقة ورسم حدود دولها على النحو الذي يضمن لها السيطرة على ايران والعراق والكويت والامارات العربية والدول الخليجية الأخرى ، وكلها كانت تعد بفيض هائل من النفط ، وكذلك على فلسطين ومصر لتأمين خطوط امداداتها النفطية عبر قناة السويس التي اكتسبت في ذلك الحين أهمية مزدوجة هي تأمين مرور النفط وتأمين طريق الهند .

عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها استطاع الباحثون عن النفط ان يكتشفوه في المناطق القريبة من ايران والمتاخمة للعراق، وكان السياسيون الاوربيون يقتسمون أملاك الدولة العثمانية التي أنحسرت الى تركيا الحالية، لا بل ان بريطانيا و فرنسا أعادتا بعد أنتصارهما في الحرب العالمية الاولى وبالتحديد في نهاية اكتوبر / تشرين الأول من عام 1918 نقل ولاية الموصل من سيطرة النفوذ الفرنسي الى البريطاني بدلاً من سوريا بشرط منح الفرنسين حصة في نفط الموصل، وهكذا تم اعداد اتفاقيات بيرينغر- لونغ وسان ريمو وسايكس بيكو .

انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء على المانيا والدولة العثمانية والامبراطورية النمساوية – الهنكارية، واقتسمت فرنسا وبريطانيا الغنيمة في الشرق الأوسط وكان االسياسي والضابط والدبلوماسي البريطاني مارك سايكس (توفي عن 39 عاماً في شباط 1919 في باريس حيث كان مشارك في مؤتمر سلام) يتفاوض سراً مع الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو وأسفر ذلك عن التفاهم الذي عرف فيما بعد بمعاهدة سايكس – بيكو (تم توقيعها في 16 آيار 1916) التي تحدثت عن سيطرة بريطانية على ما أصبح اليوم الاردن، والعراق، والمناطق المحيطة بحيفا (اسرائيل)، أما فرنسا فتكون لها السيطرة على جنوب شرق تركيا، وشمال العراق، وسوريا، ولبنان . ونصت اتفاقية سام – ريمو (1920) على ان تكون احتياطيات النفط المتوقع ظهورها في بلاد ما بين النهرين مشتركة بين فرنسا وبريطانيا العظمى .

منح امتياز التنقيب عن النفط في العراق الى مجموعة شل ومشاركوها (بريطانيا – أمريكا – فرنسا - هولندا) ورغم تفجر النفط بكميات كبيره في أكتوبر/ تشرين الأول 1927 من بئر بابا كركر في منطقة كركوك الا ان عملية أنتاج النفط تأخرت حتى بداية الثلاثينات أي الى حين الأتفاق ثم الأنتهاء من مد أول خطوط نقل النفط غرباً بأتجاه سوريا ولبنان واللتان كانتا خاضعتان للأنتداب الفرنسي .

كانت حصة الدولة العراقية الحديثة (شلنات عن البرميل الواحد ) ظلت تزداد حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حتى وصلت الى ما يقارب الدولار الواحد عن كل برميل . لقد صدر القانون الأساسي العراقي في عام 1925 بعد أن استكملت بريطانيا ترتيب ثلاثة أمور جوهرية بالنسبة لها ، كما ضمن العراق من جانبه ثلاث مسائل أساسية . في عام 1928 تم منح أول امتياز لاستثمار النفط في العراق لشركة النفط التركية التي أبدل اسمها فيما بعد الى (شركة نفط العراق) وباتفاق مباشر مع الحكومة العراقية التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني .

أن هذا الامتياز على الرغم من كل مساوئه فقد تضمن فقرة واحدة مهمة تحدد الشركات النفطية بالتحري عن النفط واستثمارة في مناطق صغيرة ومحددة مع تحديد كميات الحفر(حفر الآبار النفطيه) ومدتها .

لم تنفّذ شركة نفط العراق هذه الشروط ولم تلتزم بالمساحات وكميات الحفر والفترات الزمنية المتفق عليها في عقود لامتياز، وعندما أصبح الامتياز عرضة للالغاء وبمساعدة الحكومة البريطانية استطاعت شركة نفط العراق ان تغير شروط الامتياز حيث تمكنت من رفع شروط التحري والاستثمار والالتزام بالمساحات والاطوال المحددة به، ليس هذا فقط بل ذهبت الى حد الغاء حق العراق من الغاء حق الامتياز .

قامت الحكومة العراقية ولكي تنافس شركة نفط العراق بالكميات المنتجة من النفط بمنح شركة اجنبية اخرى هي شركة (شركة استثمار النفط البريطانية ) امتياز للاستثمار في مناطق غرب دجلة. هذا الامتياز الجديد أقلق شركة نفط العراق فعملت على احباطه عن طريق شراءها لجميع أسهم شركة استثمار النفط البريطانية وتحويل اسمها الى شركة نفط الموصل .

وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وبحكم كون العراق قاعدة أساسية في حرب الحلفاء، وتوجد جيوش بريطانيا فيها. واكتشاف النفط بكميات كبيرة فيه وازدياد الطلب العالمي بعد الحرب عليه، وبسبب تغير سلوك الانتاج العالمي باستخدام وسائط النقل بشكل موّسع من جهه، وتأميم النفط في ايران من قبل مصدق في بداية الخمسينات وتنامي الحركة الوطنية داخل العراق ومطالبتها في الحصول على مكاسب وطنية من جهة ثانية ، تم تصفية الاتفاقيات بين العراق وبريطانيا ورحيل الاستعمار الشكلي من العراق . امتد ذلك الى تعديل حصة العراق من العائد النفطي الى قاعدة المناصفة ( 50% للعراق 50% للشركات صاحبة الامتياز ) بعد طرح كلفة الانتاج . وازدادت واردات العراق من الشلنات للبرميل الواحد الى عدة دولارات . وبداءت التنمية في العراق بسبب حصول الفائض بالعملة الصعبة . وأصبح قطاع النفط هو القطاع الرائد في الاقتصاد العراقي وانحسرت بقية القطاعات الى المرتبة الثانية .

ولو عدنا قليلاً للوراء أي قبل هذه الفترة، وبالتحديد في عام 1938 منحت الحكومة العراقية امتيازاً آخر لـ (شركة نفط البصره) ويشمل هذا الامتياز جميع ما تبقى من الأراضي العراقية ما عدا منطقة صغيرة عند الحدود الايرانية لغرض التحري واستثمار النفط العراقي ، كل الامتيازات لشركة نفط العراق وشركة نفط الموصل وشركة نفط البصره لاتحتوي أي ضمان للحكومة العراقية فيما يخص مدة التحري عن النفط أو كميات الحفر المطلوب انجازها من قبل هذه الشركات في السنة الواحدة ، بل والأدهى من ذلك أنه ليس للحكومة العراقية الحق في الغاء أي من هذه الامتيازات وتحت أي ظرف .

منحت شركة نفط خانقين مساحة صغيرة للاستثمار والتحري قرب الحدود العراقية الايرانية في منطقة خانقين وهذه الشركة تابعة لشركة الأنكلو- ايرانية .

ان خضوع الحكومات العراقية في العهد الملكي الذي امتد من سنة 1932 وحتى سنة 1958 للنفوذ البريطاني واتباع توجيهاته مهما كانت من جهة ، واتفاق الشركات النفطية العاملة في العراق والتي هي عملياً شركة واحدة من جهة اخرى ، جعلت العراق لقمة سائغة لهذه الشركات التي استغلته بأبخس الأثمان وأتعس الشروط مما أدى ذلك الى بطء عجلة التطور في البلد وازدياد الفقر بين أبنائه.

المصدر

المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات