ناظم الغزالي

حياته

ولد الفنان ناظم الغزالي عام 1921 يتيماً لآم ضريرة تسكن مع شقيقتها في غرفة في منطقة الحيدرخانة في بغداد وكانت حياته مليئة بالمآسي . درس في المدرسة المأمونية في بغداد . بعدها توفيت والدته فقامت برعايته خالته التي كانت تعيش معهم , وكان الغزالي طفلاً بشوشاً ويحب المرح رغم البؤس الذي يعيشه وكان اجتماعياً يحب الاختلاط .

ناظم الغزالي

في عام 1942 قدم مسرحية ( مجنون ليلى ) وغنى الغزالي من دون مؤثرات صوتية فأثار إعجاب الحضور وبدأ الطلب عليه في المناسبات للغناء . وحين تقدم الى اختبار الاذاعة والتلفزيون وغنى مقام ( اللامي ) استقطب الشباب الذين شجعوه , بخلاف قراء المقام الذين سبقوه , إذ وقفوا ضده وراحوا يظهرون بعض العيوب في صوته . لكنه لم يهتم واستمر في الغناء . وكان الغزالي دائماً يبحث عن التراث الغنائي ليعود ليقدمه بشكل جديد .

كان صوت الغزالي يملآ الدنيا , ومواويله على شفاه المحبين , واغنياته بموسيقاه الجديدة كانت تدخل الى النفس وتتغلغل بدون استئذان , لقد كان لصوته الجهوري ونبرته الحادة ذات الطبقات العالية وهو من الآصوات المتميزة في العالم العربي لقد اعجب بصوته الفنان محمد عبد الوهاب وكان بصدد التلحين له لولا موت الغزالي ويعتبر صوته من الآصوات الرجالية الحادة ( التينور ) التينور الدرامي وهو الصوت الرجالي الآول في التصنيفات الغربية .

أما مجاله الصوتي فيراوح بين أوكتاف ونصف إلى اوكتافين , لقد أجاد الغزالي الموال باعتراف النقاد وكبار الموسيقيين الذين عاصروه , وما كان يميزه في ذلك معرفته وتعمقه في المقامات العراقية وأصولها إضافة الى ذلك انفتاح حنجرته وصفاؤها , وكذلك جوابه المتين وقراره الجيد في مختلف الوان المقامات وأنواعها, وعرف عن الغزالي احترامه للفنانيين الكبار , فهو مثلا لم يغن في حضرة استاذه محمد القبنجي احتراما لمكانته الكبيرة ,

سافر الغزالي الى عدة دول واقام عدة حفلات في كثير من الدول العربية وكان حقاً سفيرا للآغنية العراقية , لقد قلب الغزالي غالبية مقاييس الغناء في العراق ، وعند سماعنا اغاني ناظم الغزالي نجد لوازم موسيقية مشغولة وتتضمن توزيعاً موسيقياً مع تعدد الآلات الموسيقية وكذلك إدخال بعض الآلات الغربية وكذلك غنى لاشهر الشعراء العرب مثل إيليا ابو ماضي , أحمد شوقي , أبو فراس الحمداني ... وغيرهم .

كانت شخصية الفنان ناظم الغزالي نسيج عوامل كثيرة عاشها , تحكمت في قدرته على مواجهة المجتمع الذي كان يحمل الفنان متاعب جمة لمجرد أنه اختار الفن .

علاقته بزوجته سليمة مراد

أما القصة الأكثر تشويقاً هي تلك التي ينسجها العراقيون ، وكنا نسمعها مراراً وطوال سنوات حول مسألة زواج ناظم الغزالي من المطربة سليمة مراد. بالطبع هي حكايات النميمة التي يتلذذ بسردها السّمار في المناسبات ، فالمنصفون يقولون إن قصة حب ربطت بين الفنانين على الرغم من فارق السن بينهما. أما النمّامون والمصطادون في الماء العكر، فكانوا يقولون ان سليمة مراد تكبر الغزالي ربما بعشر سنوات أو أكثر، فماذا أحب منها ؟ بل ويحللون الأمر فيقولون في الوقت الذي تم فيه زواجهما كان نجم الفنانة مراد بدأ بالأفول بعد سنوات طويلة من عطائها الفني ، وقاعدة شعبية كبيرة بدأت أيضاً بالانحسار، فيما كان نجم الغزالي يعلو ويزداد لمعاناً وتوهجاً، ولكنه كان بحاجة إلى دفعة معنوية في بداية طريق الشهرة، لذلك كان هذا الزواج لمصلحة الطرفين ، وكل منهما كان بحاجة إلى الآخر، واحد للاستمرا ر في الشهرة والمجد والثاني للانطلاق إليهما. وفي كل الأحوال سواء أكان صحيحاً أم لا فإن الأمر لا يقلل من شأن هذين العلمين من أعلام الأغنية العراقية .

فالمعروف أن سليمة مراد باشا ـ هكذا كانت تلقب أيام الباشوية ، إذ أصبحت مغنية الباشوات ، وهذا حال المطربين الذين يحيون حفلات الكبار، فكان يطلق مثلاً على الراحل محمد عبد الوهاب "مطرب الملوك ...

وكانت استاذة في فن الغناء ، باعتراف النقاد والفنانين جميعاً في ذلك الوقت ، تعلم الغزالي على يدها الكثير من المقامات، وكانا في كثير من الأحيان يقومان بإحياء حفلات مشتركة، يؤديان فيها بعض الوصلات فردية وأخرى ثنائية.

تروي سليمة مراد في أحد اللقاءات إنها تعرفت إلى الغزالي عام 1952 في بيت إحدى العائلات البغدادية وغنيا معاً. تقول إن عينيهما تبادلتا النظرات طوال الحفلة ، ومنذ ذلك الوقت نشأت بينهما قصة حب انتهت بالزواج عام 1953 وأنهما خلال عشر سنوات تعاونا على حفظ المقامات والأغنيات ، في عام 1958 قاما بإحياء حفل غنائي جماهيري كبير، فتح آفاقاً واسعة لهما إلى خارج حدود العراق فكانت بعدها حفلات في لندن وباريس وبيروت.

الغزالي الباحث والمؤرخ

ناظم غزالي وجميل بشير وفرقته

حين يفرغ من التمارين كان الغزالي يقوم بتدوين الكثير من الملاحظات تتعلق بالأغنية والمغنين.

ففي مكتبة الفنان الراحل منير بشير في "دائرة الموسيقى" في وزارة الثقافة ، كان هناك كتاب كبير دُون على صفحته الأولى "طبقات العازفين والموسيقيين من سنة 1900 ـ 1962". يستهله بالحديث عن بعض أولئك أمثال: خضر الياس ورضا علي وناظم نعيم ومحمد القبنجي وآخرين.

وهناك ما يلفت في حديثه عن القبنجي ، إذ كتب: "...سافر إلى القدس عام 1932 وهناك أقام حفلتين. ثم ذهب إلى القاهرة إذ شارك في مؤتمر الموسيقى العربية وبقي هناك ثلاثة أشهر وسجل للحكومة المصرية خمساً وثلاثين أسطوانة ، لم يبق منها سوى خمس أو عشر أسطوانات محفوظة في معهد فؤاد الأول".

وشرع الغزالي عام 1952 بنشر سلسلة من المقالات في مجلة "النديم" تحت عنوان "أشهر المغنين العرب". ويقال إنه حين توفي كان في مكتبته عشرون شريطاً سجل عليها أغنياته كافة وأغنيات المرحومة سليمة مراد. وهناك الشريط رقم 21 سجل عليه بعض أغنياته وأغنيات مراد أثناء التمارين في بيتهما.

وفي مكتبته أيضاً كرّاس كبير دوّن فيه الأغنيات التي أدتها جميع المطربات العراقيات خلال أربعين عاماً بين 1910 و1950 وفهرس لأغاني أستاذه محمد القبنجي ، وفيه نصوص لأربع وستين أغنية مع ذكر السنة التي سجلت فيها تلك الأغاني على الأسطوانات .

وفي دفتر آخر دون عناوين أشهر المخطوطات العربية في علم الموسيقى والغناء تلك الموجودة في محتويات مكتبة المتحف العراقي مع ذكر أرقامها وبعض الملاحظات حول كل مخطوط. وفي صفحة 77 كتب الغزالي الأغنيات التي أدّاها "الجالغي البغدادي" على مدى سبعين عاماً من 1870 ولغاية 1940. مع معلومات تشير إلى عدد الذين أدوا كل أغنية وما كان منها مسجلاً على الاسطوانات . وفي سجل كبير آخر نجد الراحل الغزالي كتب المقامات العراقية المؤداة والطبقة وطريقة الغناء. كما دون كل أغاني الراحلة سليمة مراد . وهناك صفحات بخط يد الراحل دوّن فيها "تاريخ الديالوج في الغناء العراقي". لكن الخسارة وقعت بوفاته إذ أنه لم يكمل أغلب هذه الدراسات أو الأبحاث والمخططات ، ثم إننا بعد وفاته لم نر أو نقرأ أي من هذه الكتابات أو الكتب .

وفاته

في الواحد والعشرين تشرين الاول من عام 1963 مات ناظم الغزالي هكذا بثت اذاعة بغداد وفاة احد اعلام الموسيقى العراقية ..

كانت سليمة مراد في رحلة عمل في بيروت ، ولم تستطع توديع زوجها إذ وصلت بعد ساعات قليلة من رحيله في ذلك الصباح ، وتذكرفي أحد لقاءاتها إنها حين وصلت من بيروت قرابة الساعة الثانية عشرة ونيف ظهراً توجهت إلى البيت "... فشاهدت جموعاً محتشدة من الناس في الباب عندها اقتربت منهم كي استعلمهم فلم يخبروني فيما كانت عيونهم تنبئ بوقوع كارثة . دخلت كالمجنونة أركض إلا أن أختي "روزة" فاجأتني قبل أن أسألها بحقيقة المأساة ، بعدها تهالكت ولم أفق من غيبوبتي إلا بعد أن اكتظ البيت بالزحام ...

وكان أفاق في ذلك الصباح وطلب قدحاً من الماء الساخن لحلاقة ذقنه ، لكنه سقط مغشياً ، وبعدها فارق الحياة .

و هكذا فارق العظيم ناظم الغزالي الحياة ولو كان عاش أكثر من ذلك لقدم لنا الكثير والكثير من الأنغام والمقامات العراقية التي ستثري مكتبتنا الموسيقية .. رحم الله ناظم الغزالي

المصدر