مبدع

العراق أكبر من التجديات/2020

مع اقتراب الموعد الذي قطعته امام البرلمان لاستكمال التشكيلة الوزارية، لابد من وضع شعبنا وقواه الوطنية، وشبابنا المطالب بحقوقه، أمام ما أواجه من تحديات تتطلب من الجميع التكاتف لتذليلها، وما اقوم به من مداولات وحوارات بناءة ومكثفة مع كل القوى السياسية هدفه الوصول الى ما يرضي شعبنا ويعيد الثقة بامكانية تجاوز العملية السياسية للازمة المتفاقمة التي تواجهها وتضع عراقنا أمام مفترق طرق.

لقد تصديت لواجبي واعرف مسبقاً المصاعب التي تقف امامي، والتركة الثقيلة التي ستواجهني على كل الأصعدة وفي جميع الميادين الحيوية التي ترتبط بحياة المواطنين، وأمن وسيادة واستقلال البلاد. مدركاً أن الازمة شاملة وتدخل في نسيج الدولة ومؤسساتها، وتعرقل قوتها الاقتصادية التي تعثرت خلال الفترة الماضية، فلم يتحقق ما من شأنه النهوض الشامل بالامن الغذائي للبلاد، ولا النهوض بالصناعة وتنويع واردات الدولة، وتوسيع الاستثمار، وتأهيل البنى التحتية المتآكلة.

وما زاد من الصعوبات عدم إعادة النظر بجدية في هيكلية انتاج وتسويق النفط والاهتمام بالمشتقات النفطية ، فيما أعيد في المقابل تدوير أزمة الفساد الاداري والمالي، وتفكك الكثير من اجهزة استكمال الدولة ومؤسساتها. وبدلاً من تشجيع الاستثمارات وقطاعات العمل واعادة تشغيل المصانع المتعثرة بتأمين ما تحتاجه لاستيعاب الايدي العاملة العاطلة ، جرى رفع مستوى التضخم الوظيفي في اجهزة الدولة وما ينطوي عليه من استنزاف للموارد وبطالة مقنعة.

كل ذلك جعل التحديات التي تواجه اي حكومة مضاعفة. ومع معرفة كل هذه الصعوبات استجبت لتحمل المسؤولية معتمداً على تفهم الكتل والقيادات السياسية ، وقبل ذلك جمهور شعبنا المبتلى، والمظلوم، والمطالب بحقوقه الطبيعية، لضرورات المرحلة، خصوصاً وأن التدني الخطير في موارد البلاد مع انهيار أسعار النفط يحتم على الحكومة البحث في كل الاتجاهات لإيجاد مصادر عاجلة لتسديد رواتب العاملين في الدولة، وتغطية النفقات الضرورية لتسيير شؤون والتزامات المؤسسات، وفي مقدمتها تامين سلامة المواطنين من جائحة كورونا.

إنني اذ اضع هذه الوقائع امام شعبنا والقيادات السياسية، اؤكد مجدداً ان العراق أكبر من التحديات والازمات والمشاكل مهما بلغت، واننا بحاجة الى التعاون والتظافر مع كل قوى شعبنا من كتل برلمانية واحزاب سياسية وفعاليات اجتماعية وثقافية ، وبتفهم من شبابنا المتظاهرين، بما يمكّن الحكومة القيام بواجبها.

وهذا الدعم مطلوب الآن من الكتل السياسية البرلمانية للمساعدة في استكمال التشكيلة الوزارية عبر التصويت على قائمة المرشحين للوزارات الشاغرة، من اجل المضي في وضع الخطط العملية لانجاز ما أوكل الى الحكومة من مهام المرحلة الانتقالية، والاستجابة للتطلعات المشروعة للمواطنين بتوفير الحد الممكن من الخدمات وسبل العيش الكريم وايقاف الانتهاكات والتجاوزات التي يتعرضون لها، واعادة ابنائهم الذين تعرضوا للاعتقال والتغييب.

ينبغي ان لا يغيب عنا جميعاً اننا نجد أنفسنا بعد سبعة عشر عاماً ، في وضعٍ لا نُحسد عليه، فسيادتنا استمرت منقوصة او منتهكة او معرضة للشكوك، وأراضي بلادنا يراد ان تصبح ميداناً لصراع الاخرين، وأمن مواطنينا مهدد ، لا من استمرار داعش وخلاياها النائمة، بل وايضاً من السلاح المنفلت خارج إطار الدولة ، وكل مظاهر الفساد ونهب المال العام وتبديد الثروات، والمستوى غير المقبول لتصنيف العراق على صعيد التعليم والصحة والخدمات. فيما لم تعد البطالة ظاهرة يمكن إحتواؤها، بل تجاوز عدد العاطلين وخصوصاً من بين الخريجين الى مستويات لم تبلغها في اي ظرف سابق. وبات خط الفقر، يضم امهات وعائلات الشهداء الذين جادوا بارواحهم دفاعاً عن الوطن.

ورغم ان الثروة التي دخلت خزائن العراق على مدار السنوات ال ١٧ الماضية ، كانت تكفي لإعادة بناء البلاد وتأسيس صندوق المستقبل، فان الفساد قد استنزفها، وهُرّب بعضها علناً الى خارج البلاد، ولم أجد وانا أستلم المسؤولية الّا خزينة شبه خاوية!

لقد وجدت من واجبي في ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة أن أضع شعبنا أمام ما نواجه من صعوبات ، من بينها التناقض بين الوعود العلنية التي أكدت على حريتي في إختيار التشكيلة الوزارية ، وما يدور وراء الكواليس من مناورات وشد من قبل البعض . وهو ما يعرقل ويعطل إستكمال الحكومة لكي تباشر مهامها بحيوية وتظافر في الجهود وصولاً الى الاهداف المعلنة.

ويبدو احياناً أن ما نطلقه من تأكيدات لضرورة تصحيح مسارات العملية السياسية ووضع البلاد على طريق المعافاة لا تجد آذاناً صاغية لدى البعض هنا او هناك ، دون الإنتباه الى ان البلاد مهددة بما سيضعنا جميعاً أمام خيارات ليس فيها رابح وأفضلها الأنحدار الى الفوضى، لا سمح الله ، ما يدفع الى اعادة التأكيد على ضرورة ان يضع الجميع المصالح الوطنية العليا فوق المصالح الثانوية، وان تتظافر جهود جميع الكتل والاحزاب وبتفهم من شعبنا، لعبور هذه المرحلة.

ليس أمامنا سوى خيار الاستجابة للمطالب الشعبية العادلة التي عبرت عنها الحركة الإحتجاجية وساحات التظاهر، التي جمعت خيرة بنات وشباب شعبنا، والعمل المخلص على تحقيق مطالبهم باعادة مجد العراق وقوته وكرامته، وتصفية تركة المحاصصة المقيتة بكل تجلياتها، ومحاربة الفساد المالي والإداري.

وليس بالإمكان المباشرة بأية خطوة جادة دون الشروع بما يعيد للدولة هيبتها وبسط سيادتها ، وهو ما يتطلب ان لا يكون أي طرفٍ مهما كان شأنه أو مصدر قوته أو موالاته فوق ارادة الدولة والدستور والقانون، وإن يصبح السلاح والقوة النارية بيد الدولة والقوات المسلحة وبإمرة القائد العام للقوات المسلحة.

اود التأكيد مرة أخرى لإزالة أي التباس، بان المهمة التي أنيطت بي هي عبور المرحلة الانتقالية بأسرع وقت ممكن ، والاستجابة الى مهام ملحة مباشرة ، ابرزها:

- إنجاز قانون الانتخابات مع ما يتطلبه من تدقيقات أو تعديلات، والإنتهاء من الصيغة النهائية لقانون المفوضية العليا للإنتخابات، وتأمين كل ما يلزم لاجراء الانتخابات في أقرب وقتٍ ممكن، والتعاون مع ممثلية الامم المتحدة والمراقبين المحليين والدوليين، والتأكد وضع الأسس الصحيحة لاجراء الانتخابات في جوٍ سياسي وأمني يضمن نزاهتها وعدالتها.

- إتخاذ كل الاجراءات والتدابير بالتعاون بين وزارة الداخلية وجميع الاجهزة الامنية لحماية المتظاهرين والحرص على سلامة ساحاتهم، والتعبير عن ارادتهم بكل حرية ، سلميًا.

- اعلن بوضوح كقائد عام للقوات المسلحة بأنني لم ولن أصدر أي أمر باطلاق الرصاص ضد اي متظاهر سلمي ، ومن يقوم بذلك سيقدم الى العدالة. ومن واجب وزارة الداخلية واجهزة الامن منع اي طرف ثانٍ أو ثالثٍ التداخل مع المتظاهرين.

- أعيد التأكيد هنا ثانية بأن اوامر قد صدرت الى كل الاجهزة الامنية باطلاق سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين، والبحث والتحقيق والتقصي لإيجاد المختطفين وتشخيص الذين قاموا بالاغتيالات ووضعهم أمام القانون.

- اتخاذ كل التدابير العاجلة لمواجهة الازمة الاقتصادية والمالية وترشيد الانفاق ومحاربة الفساد والبدء بالاصلاحات الضرورية، وحماية شعبنا من جائحة كورونا.

- وقبل وخلال كل ذلك استعادة هيبة الدولة وتأكيد السيادة الوطنية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية المعنية، وضمان امن البلاد امام التهديدات الارهابية، وارساء سيادة القانون وان يكون الجميع سواسية امامه. إنني اذ أتعهد بما أعلنه هنا، اجد من واجبي التعبير عن تقييم الكتل وقياداتها التي تجاوبت معي في التصويت على التشكيلة الوزارية المنقوصة ، وأتطلع الى الجميع دعم جهودنا وما نقوم به من لقاءات وحوارات لاستكمال التشكيلة وتسهيل مهامها في إطار ما حددنا من مهام المرحلة الانتقالية.

وأختم برد على من نبهني الى أنني بلا حزبٍ سياسي ولا كتلة نيابية تحميني فيما انا ماض اليه من تعهدات قطعتها خدمة لشعبي، بقوله تعالى:

"مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا"

صدق الله العلي العظيم

موضوعات متعلقة

مبدع
احلام الاقتصاديين/2018
أزمة السكن / 2008
استغلال العوائد النفطية : سيناريو الخلاص من الدولة الريعية/ 2017
اصلاح قطاع الطاقة/2015
الاحتجاجات التشرينية في العراق
الاصلاح الاقتصادي 2016
الاصلاح الاقتصادي في العراق / 2015
الاصلاح المالي للعراق/ 2017
التعديلات على الدستور / 2006
التلوث البيئي في العراق: كارثة تأخرت معالجتها / 2009
الحاجة الى التعاون ما بين المستهلكين والمنتجين / 2013
الخروقات الدستورية / 2013
الخسائر والهدر في قطاع الطاقة / 2015
الخلاص من الدولة الريعية
السياسة الخارجية الامريكية تجاه الشرق الاوسط وشمال افريقيا / 2014
العراق أكبر من التحديات /2020
العشائر والدولة / 2011
المخالفات المرتكبة من قبل المحكمة الإتحادية العليا / 2015
إنتاج العراق من النفط : منظور 2040
إنهاء البطالة في العراق: أسهل خطوتين / 2009
أهداف الصناعة النفطية في العراق / 2007
تعديل الموازنة 2017
تفسير المادة (124) من الدستور حول بغداد / 2008
تقرير - بيكر هاملتون / 2009
تقرير اللورد اشداون / 2008
ثورة السجيل في امريكا
جنرال الكتريك تكشف عن حاجة العراق لتعزيز قدراته في انتاج الطاقة الكهربائية
خسائر قطاع الطاقة العراقي من الفساد والإهمال الإداري /2017
سليماني:القائد الشبح / 2013
عادل عبد المهدي : مذكرة الاستاذ شفيق واخوانه.../2018
قانون المحافظات / 2007
قانون شركة النفط الوطنية العراقية /2018
قانون شركة النفط الوطنية خطوة للخلاص/2018
قضية الكهرباء في العراق /2017
ما بعد كورونا
مبدع
مرحباً بثورة الطاقة / 2014
مشروع قانون انهاء أعمال الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث / 2007
مشروع قانون شركة النفط الوطنية /2017
مشكلة النزاهة في العراق / 2008
مقترح قانون العاصمة بغداد /2015
ملاحظات حول مسودة قانون المساءلة والعدالة / 2008
ملاحظات عامة حول مشروع قانون النفط / 2006
ملاحظات على قانون شركة النفط العراقية /2018
من فدائيي صدام الى فدائيي المالكي / 2013
من الاعلام إلى المخدرات..
من الريع إلى الإنتاج
موازنة العراق 2018 / النشر 2017
موازنة عام 2016